أثارت أزمة هدير مكاوي جدلًا كبيرًا مؤخرًا على مواقع التواصل الاجتماعي "الفيسبوك"، وأطلق عليها لقب الأم العزباء أو "سنجل مزر"، بعد أن أنجبت طفلها آدم من زواج عرفي بشاب لم يعترف بها أو بطفلها، كانت بمثابة الحجر الذي ألقته في بركة راكدة، ويبدو أنها كانت محركًا مشجعًا لفتيات أخريات.
ولم يمر أقل من أسبوعين على هذه الواقعة التى أثارت علامات استفهام كثيرة حتى فاجأت فتاة أخرى تدعى شريهان نور الدين، مستخدمي فيسبوك، بتدشين صفحة لها بعنوان "بشتري راجل"، وأعلنت من خلال مقطع فيديو، أنها تطلب متبرعًا بحيواناته المنوية، نظير مبلغ من المال لم تحدده حتى تصبح "سنجل مزر" أي أم ترعى طفلًا دون زواج، على حد زعمها - لتأصل بذلك فكرة "خلط الأنساب"، وأن يكون طفلها غير معلوم الأب.
وأشارت تلك الفتاة إلى أن نسبة حملها تقل وتصل إلى 40% فقط، وأن ذلك قد عرفته بناءً على تحاليل طبية أجرتها علي نفسها، لافتة إلى أنها قد بحثت عن فكرة تجميد البويضات، حتى يتسنى لها الإنجاب مستقبلًا إذا كبرت في السن، طالبة أن يتبرع لها شخص بحيواناته المنوية مقابل مبلغ كبير بالدولار وليس بالجنيه المصري، مضيفة أن الموضوع "هيمشي رسمي دون زواج أو غراميات، ولكن "بمأذون-أنبوبة معمل-مأذون ..أنا بس عايزة طفل".
عرضت شريهان خلال الفيديو المبلغ التي عكفت على تجميعه طيلة حياتها،- كما قالت وحولته بالدولار، مشيرة إلى أنها ستهديه لأي رجل يوافق على التبرع لها بحيواناته المنوية، عن طريق عملية تلقيح صناعي.
وبعد ساعات قليلة أغلق فيسبوك صفحتها بعد أن أثارت لغطًا كبيرًأ. وللأسف وجدت من يعرض عليها الأستجابة لطلبها !!
"والسنجل مزر" أو الأم العزباء، هو مصطلح اشتهر وانتشر في الغرب طبقًا لعاداتهم وتقاليدهم الغريبة على مجتمعاتنا الشرقية تلك التي تنبثق أخلاقها وقيمها من الديانات السماوية، وهناك دول تعترف بهذا المسمى –الأم العزباء-ولكن حتى الآن يبقى هذا المصطلح صادمًا للمجتمع المصري، ويحظى متابعوه بهجوم شرس.
وشريهان والتي جاءت بفكرتها الغريبة، عقب الجدل الدائر حول هدير مكاوي مباشرة، هي الأخرى تعبر بشكل أو بآخر عن المظاهر الاجتماعية التي أصبحت طافية على السطح، فلم تكتف تلك الفتاة بطلبها لمتبرع لحيواناته المنوية، بل ذهبت إلى أبعد من ذلك قائلة، "أحلى حاجة في الدنيا الأطفال.. لو أقدر كنت جبت دستة، بس أنا ما اتجوزتش قبل كدة، ولا عايزة أتجوز، أنا ناجحة، في حياتي العملية، عايشة عيشة مريحة ومش محتاجة حد يسندني ماديًا..بس بخاف قوي من الوحدة الحل الوحيد قدامي إني أبقى أم".
وشريهان نور الدين، بطلبها ذلك وبرغبتها الجارفة في أن تكون أمًا دللت على كونها تشعر بالوحدة، وأنها تقف في طابور الفتيات اللاتي تأخرن في سن الزواج، والذي بلغ عددهن في مصر طبقًا لآخر إحصائية 13 مليون فتاة، من واقع تقارير الجهاز المركزي للإحصاء والتعبئة، ولكن الآراء المهاجمة لها لا تعطيها مبررًا قويًا لذلك التفكير الغريب على المجتمع المصري.
الدكتورة سهير لطفي أستاذ علم الاجتماع، تؤكد لـ"بوابة الأهرام" أن من يثير قضية الأم العازبة، أو الأم الحاضنة لأطفال دون زواج رسمي، هي حالات فردية لا تمثل ظاهرة اجتماعية، لا تمثل قلقًا كبيرًا لافتة، إلى أن مواقع التواصل الاجتماعي هي التي تساهم في تأجيج مثل هذه الأفكار وتبرزها بشكل كبير، وتسلط عليها الأضواء بشكل يثير الجدل.
وتشير، إلى أن مفهوم الزواج والإنجاب هي وسيلة للتواصل المجتمعي لتكوين أسرة طبقًا لتقاليد وأعراف دينية ومجتمعية وقانونية أيضًا مشيرة، إلى أن تلك الأفكار التي تخرج عن نطاق التفكير المجتمعي، وضميره الجمعي، ما هي إلا شطحات غير سوية، تعبر بشكل أو بآخر عن رغبة غير صحيحة لتطبيق مفهوم الاستقلالية والحرية من قبل شخصيات غير واعية بما تقوم به.
وتؤكد أستاذ علم الاجتماع أن في إنجاب الأطفال متعة، وأن الإنجاب أمانة في أيدي الآباء، والمجتمع وكذلك الأديان التي تحث على رعاية الطفل وحمايته بما يكفل له حياة كريمة تجعل منه إنسانًا صالحًا لا طالح في المجتمع، مؤكدة على أن تأخر الزواج لدى كثير من الفتيات ليس شرطًا لانحراف تفكيرهن بهذا الشكل كما فعلت تلك الفتاة أو غيرها، فلازالت غالبية البيوت المصرية تحافظ على القيم والمبادئ التي تربي عليها أبناءها.
أطفال الأنانيب أو التخصيب توجد له مراكز في مصر، حيث ولدت أول طفلة أنابيب عام 1986، وسبقتها انجلترا عام 1978، ويوجد نحو 40 مركزًا في مصر وباقي المحافظات، ولكن كل ما يتم من عمليات تخصيب يتم في إطار رسمي بين الزوجين وبأوراق رسمية، وليس بالشكل الذي تطلبه شريهان نور الدين، وإن كانت في مصر لا توجد قوانين منظمة أو تعاقب على مثل تلك الفعلة والتي ستؤدي نتيجتها إلى خلط في الأنساب.
محمد سمير مدرس النظم السياسية والقانون الدستوري بالجامعة الأمريكية، أكد لـ"بوابة الأهرام"، أن هناك في القانون المصري ما يعاقب فقط على التزوير في الأوراق التي تثبت النسب، بداية من المادة 206-214، في قانون العقوبات، وهي تلك المواد الخاصة بالتزوير عمومًا.
ولفت إلى أن، فكرة خلط الأنساب وتأجير الأرحام، لا يوجد في القانون ما يعاقب على اقترافها، مؤكدًا على أن الردع القانوني لن يكون قاضيًا على تلك الأفكار ولكن المعالجة المجتمعية لهذا الخلل هي تلك التي ستعالج تلك الظواهر من جذورها.
يبدو أن المجتمع المصري، بات في مفترق الطرق من الناحية الدينية، حيث انخفض منسوب الوازع الديني عند كثير من الشباب الأمر الذي بات لافتًا للنظر من خلال الردود المؤيدة لتلك الأفكار الاستثنائية والفردية التي تصعد إلى سطح البحيرة من وقت لآخر.
دكتورة سهير طلب أستاذ الحديث بجامعة الأزهر تعقب قائلة: إن ما تريد أن تقترفه شريهان نور الدين وطلبها شراء حيوانات منوية، هو جريمة "زنا"، حيث أنها تريد أن تخصب نفسها بحيوانات منوية لرجل غريب عنها دون زواج رسمي، لافتة إلى أنها يباح لها أن تحتفظ بالبويضات الخاصة بها "مُجمدة"، ويمكن الاستعانة بها إذا تزوجت، هذا مقبول شرعًا ولكن في حالة الزواج فقط.
وأكدت طلب لـ"بوابة الأهرام"، على أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال"تخيروا نطفكم فإن العرق دساس، فعلى أي أساس تريد هذه الفتاة أن تشتري حيوانات منوية لشخص لا تعرفه ولا يعرفها، ولمن سينسب هذا الطفل الذي لا ذنب له.
وتلفت أستاذ الحديث، إلى أن تلك الأفكار هي دخيلة على المجتمعات العربية، وهي دعوات تحريضية لنشر الرذيلة، وإفشاء للفاحشة، وقد قال الرسول صلى الله عليه وسلم " كل أمتى مُعافى إلا المجاهرون".
